الزمن هو المشرع الوحيد الذي لا يعرف استثناءّ

ميساء خلفان (المؤسس)
2026-09-21
0 تعليق
الزمن هو المشرع الوحيد الذي لا يعرف استثناءّ


كان يدخل القاعة سريعًا، مستقيمًا، تتقدمه هيبته إلى الباب؛ كأن خطاه تعرف الطريق قبله.


لم نكن نخافه لشخصه،

لكننا كنا نشعر أن للفوضى حياءً في حضرته.


يفتح القانون على المادة التي يريدها دون أن يضلّ بين الصفحات، ويستدعي الأسماء والتواريخ والنصوص من ذاكرته، فيما نحن نبحث عن أقلامنا.


وأنت في مقتبل العشرين،

يبدو لك رجلٌ كهذا خالدًا على نحوٍ ما.


فالذين نعرفهم وهم في عمر الوقار لا نتخيل أنهم يكبرون.


نحسبهم قد وُلدوا هكذا،

نراهم كبارًا منذ أول الحكاية،

ولذلك لا تخطر علينا النهاية.




وكانت له شنطة.


لا أذكر لونها على وجه الدقة،

لكنني أذكر أنها كانت في يده دائمًا،

حتى خُيّل إلينا أن يده خُلقت لتقبض على مقبضها.


شنطةٌ مثقلة بما لا نعرف:


قوانين،

محاضرات،

دفاتر،

أسماء طلاب،

وامتحانات نامت ليلةً كاملة تحت مصباح مكتبه، ثم عادت إلينا وفي هوامشها شيءٌ من غضبه وشيءٌ من أمله.


كم جيلًا دخل تلك الشنطة وخرج منها؟


كم اسمًا نام بين أوراقها؟ كم طالباّ غادر ولم يعد؟


بينما ظل هو الذي يعود في كل صباح،

يحمل الشنطة ذاتها،

ويفتح الباب لجيلٍ جديد…


ربما لهذا كانت ثقيلة.


لم تكن الكتب وحدها فيها.


كان فيها شيءٌ من الذين مرّوا.



ثم فعل الزمن ما يجيده.


لم يهدم شيئًا دفعةً واحدة.


فالزمن أكثر أدبًا من الكوارث.


لا يكسر الباب.


يدخل من شقوقٍ لا نراها.




رأيته بعد أعوام.


كان الوجه وجهه،

ولكن السنوات أقامت فيه.


بياضٌ تسلل إلى رأسه حتى بدا كأن الشتاء مرّ من هناك ونسي ثلجه،

وخطواتٌ كانت في ذاكرتي تسبقنا في ممرات الجامعة، صارت الآن تصادق الأرض أكثر مما ينبغي.


كان الممر نفسه، على ما أظن.


لكن الرجل الذي كان يقطعه يومًا كالسهم

صار يمنحه من عمره خطوةً خطوة.


لم يعد يعبر الممر.


كان الممر يعبره.


وحين مدّ يده إليّ،

رأيتها.


لم تكن رجفةً.


كانت شيئًا أدق من أن يُسمّى.


ارتعاشةٌ صغيرة في الأصابع،

كأن السنين كلها، بعد أن عجزت عن أن تقول شيئًا أمام هيبته،

اختارت يده أخيرًا

وتركت توقيعها هناك.


للحظةٍ تمنيت لو أنني لم أنتبه.


بعض الأشياء، ما إن تراها،

لا تستطيع أن تعيد الإنسان في ذاكرتك إلى ما كان عليه قبلها.


أدار الحديث.


الصوت نفسه تقريبًا.


وذلك الوقار القديم ما زال يعرف مكانه في الجملة.


وكنت أفتش في نبرته عن صوت القاعة القديمة،

فأجده تارةً،

ثم يضيع مني تارة أخرى…


ثم أراد أن يقرأ شيئًا.


أخرج الورقة.


رفعها قليلًا.


أبعدها.


قرّبها.


ثم مال برأسه نحو الضوء،

كأن الكلمات التي كانت تأتيه يومًا طائعةً

صارت تقف على الضفة الأخرى من عينيه.


ولسببٍ لا أعرفه،

كان ذلك أشدّ عليّ من بياض شعره.


أن ترى العينين اللتين كانتا تلتقطان خطأك من آخر القاعة

تساومان الآن سطرًا صغيرًا على أن يقترب.


أن ترى الرجل الذي كان يقرأ القانون كما لو أنه يقرأ كفّه،

يستعين بالضوء على بضعة أسطر.


هناك أشياء لا يقولها العمر بصوتٍ مرتفع.


فهو يعرف أننا نخاف سماعها.


لذلك يهمس بها في الأصابع.


ويخبئها خلف عدسات النظارات.


ويتركها في المسافة بين العين والكتاب.



ثم رأيت الشنطة.


يا الله…


الشنطة.


كانت ما تزال في يده.


أو لعلها لم تكن هي.


لكنني لم أشأ أن أتحقق.


فثمة أكاذيب صغيرة لا نقولها لأحد،

نقولها لأنفسنا كي لا ينهار الماضي كله دفعةً واحدة.


أردتها أن تكون هي.


شنطة المحاضرات القديمة نفسها.


أردت شيئًا واحدًا على الأقل

أن يكون قد نجا من كل هذه السنوات.


لكن حتى الشنطة لم تنجُ.


الجلد الذي كان مشدودًا استرخى،

والحواف التي كانت حادة أكلتها الطرق،

والمقبض انحنى في الموضع الذي عرفت أصابعه طريقها إليه آلاف المرات.


كان الزمن قد وجدها هي الأخرى.


فنظرت إليه.


ثم إليها.


ولم أعرف أيهما يشبه الآخر أكثر.


كانا رفيقَي طريقٍ طال حتى أخذ كل واحدٍ منهما شيئًا من هيئة صاحبه.


هو حملها كل تلك السنوات،

وهي حملت عمره دون أن يدري.


كان يضع فيها كتابًا،

فيضع الزمن في شعره خيطًا أبيض.


يضيف إليها أوراقًا،

فيأخذ العمر من عينيه شيئًا من الضوء.


يثقلها بالمحاضرات،

فتخفّ خطوته قليلًا.


حتى انتهيا إلى هذا الممر:


رجلٌ يحمل شنطةً هرمت معه،

وشنطةٌ تحمل من آثار يده

ما يكفي لتروي عمر رجل.



وفكرت في الذين مرّوا من أمامه.


دفعةٌ جاءت،

ثم مضت.


وجاءت أخرى.


ثم أخرى.


تغيرت وجوه الطلاب،

وأرقام القاعات،

وأغلفة القوانين،

وربما أسماء المواد نفسها.


وهو بقي عند السبورة.


كأن الجامعة نهرٌ لا يجري بالماء،

بل بالعشرينات.


كل عامٍ يأتيه شبابٌ بعمر الربيع،

يجلسون أمامه فصلًا أو فصلين،

ثم يحملهم النهر بعيدًا.


يصير أحدهم محاميًا.


والآخر قاضيًا.


والثالث أبًا.


والرابع تأخذه مدينةٌ بعيدة.


والخامس ينسى معظم ما درسه،

لكنه، لسببٍ غامض،

يظل يتذكر صوت أستاذه.


وبالوهم نفسه كانوا ينظرون إليه:


أن الأستاذ لا يكبر.



والذي آذاني يومها لم يكن أنه شاخ.


بل أنني اكتشفت أنني كنت، طوال تلك السنوات،

قد خبأته في مكانٍ لا يصل إليه الزمن.


تركته في قاعة قديمة من ذاكرتي:


واقفًا أمام السبورة،

ممتلئ الصوت،

ثابت اليد،

حادَّ البصر،

سريع الخطى.


ثم ذهبت أنا لأكبر.


وتركت شبابي عنده.


كأنني كنت أظن، دون أن أعترف بذلك لنفسي،

أن الرجل ما دام واقفًا هناك كما عرفته،

فإن شيئًا مني لم يمضِ بعد.


أن العشرين ما تزال موجودة في مكانٍ ما.


في تلك القاعة.


على ذلك المقعد.


تحت صوته.


لكن الذاكرة رحيمةٌ حدّ القسوة.


تحفظ لنا الناس كما كانوا،

ولا تخبرنا بما يفعله بهم غيابنا.


تضعهم في صورةٍ قديمة،

ثم تمنع الزمن من دخولها.


وحين نلقاهم بعد أعوام،

تنكسر الصورة.


فنكتشف أن السنوات التي غبنا فيها عنهم

لم تغب هي.


بينما كنت أعيش أعوامي في مكانٍ آخر،

كان العمر يزوره كل صباح.


يطرق بابه دون صوت.


يأخذ من شعره شعرة.


ومن عينيه مسافة.


ومن خطوته عجلتها.


ومن يده شيئًا من سكونها.


قليلًا قليلًا…


كي لا ينتبه أحد.


حتى عدت أنا.


فأعطاني الزمن حصيلة غيابي كاملةً

في نظرةٍ واحدة:




ربما لهذا توجعنا لقاءات الذين عرفناهم ونحن صغار.


نذهب إليهم مشتاقين إليهم،

ثم نعود مشتاقين إلى أنفسنا.


لأن وجوههم ليست وجوههم وحدهم.


إنها ساعاتٌ قديمة.


كل تجعيدةٍ لم تكن هناك

عقربٌ تحرك في غيابنا.


وكل شعرةٍ بيضاء

عامٌ سقط من تقويمنا نحن أيضًا.


وكل خطوةٍ أبطأ

مسافةٌ إضافية بيننا وبين أولئك الذين كنّاهم.


ننظر إليهم،

فنرى الزمن متلبسًا بالجسد.


ونفهم متأخرين أن بعض أعمارنا لا يظهر في وجوهنا.


يظهر في وجوه الذين تركناهم خلفنا.



غادر بعد حديثٍ قصير.


ورأيته يمضي في الممر.


في يدٍ

شنطته القديمة.


وفي اليد الأخرى

ذلك الارتعاش الخفيف الذي لم أستطع منذ رأيته أن أنساه.


كان يمشي ببطء.


وظللت أنظر إليه.


إلى ظهره الذي يبتعد.


إلى الشنطة تتأرجح إلى جواره.


إلى الخطوات التي كنت أعرف لها إيقاعًا آخر.


وكلما ابتعد،

كان شيءٌ قديم في داخلي يبتعد معه.


قاعة.


سبورة.


كتاب مفتوح.


رائحة أوراق.


صوتٌ يسأل سؤالًا ونحن نخفض رؤوسنا كي لا يختارنا.


وعشرينيٌّ قديم يشبهني،

كان جالسًا هناك ذات صباح،

يملك من العمر أكثر مما يعرف،

وينظر إلى أستاذه معتقدًا أن الكبار لا يكبرون.


ظللت أتبعه بعيني حتى ابتلعه آخر الممر.


ولم أعرف، في تلك اللحظة،

من الذي كان يمضي حقًا:


هو…


أم شيءٌ من شبابي.




بعدها نفهم، دفعةً واحدة،



أن الزمن لم يكن يمرّ أمامنا.


كان يمرّ بنا.


وأن أستاذ القانون الذي علّمنا يومًا

أن لكل قاعدةٍ استثناءً،


ببطءٍ،

عامًا بعد عام:


لم يخبرنا أن الزمن

هو المشرّع الوحيد

الذي لا يعرف الاستثناء.

التعليقات (0)

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

التعليقات تظهر فوراً بعد الإرسال

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد

احجز مقعدك أو الإستشارة القانونية عبر الانترنت

احجز الآن